في وقت متأخر من نهار 5 يونيو/حزيران 2026، كان فهد عبد العزيز أبو هيكل، المحاضر في جامعة فلسطين الأهلية في بيت لحم، يقود سيارته (الفورد الهاتشباك) البنية اللون، برفقة زوجته دانيا نضال سلامة، وولديه اللذين يبلغ أحدهما 11 عامًا، والآخر 7 أشهر، ووالدته فريال أبو هيكل، متجهين نحو منطقة تل الرميدة في مدينة الخليل بالضفة الغربية.
قبيل الوصول إلى تل الرميدة، أوقفت قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي السيارة في منطقة وادي الهرية، قبل أن تُطلق النارعليها وهي متوقفة. أصابت رصاصةٌ يدَ الوالد فهد أبو هيكل واخترقتها لتصيب زوجته وطفلهما الذي كانت تحمله، فيما أصابت رصاصة أخرى مقدمة السيارة.
أُصيب الطفل سام فهد أبو هيكل بجرح خطير، وظل ينزف حتى بعد نقله إلى مستشفى عالية الحكومي بالخليل، حيث فارق الحياة هناك. فيما نجت الوالدة التي أُصيبت في خدها، والأب الذي اخترقت الرصاصة كفَّ يده. ورغم هذه المأساة، تجاهل البيان الذي أصدره جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن الواقعة ذكرَ الطفل سام، واكتفى بذكر "إصابة ثلاثة فلسطينيين" وصفهم بـ"المدنيين".
أجرى فريق التحقيقات الرقمية في "مسبار" تحليلًا معمقًا لإعادة بناء تفاصيل الحادث، استنادًا إلى صور ومقاطع مصورة التُقطت في موقع الحادث، ومطابقتها جغرافيًا مع صور الأقمار الصناعية، ومقارنتها بتصريحات والد الطفل سام وجدته؛ وذلك لتوثيق جريمة إسرائيلية بحق طفل لم يتجاوز عمره سبعة أشهر.
كانت الشمس لا تزال ساطعة، وكان بإمكان الجنود "
"رؤية ركاب السيارة بوضوح.
هكذا صرّح فهد أبو هيكل لصحيفة (هآرتس)، ويوثّق روايته مقطع مصور التقطه أحد سكان الشارع، حيث أطلق جنود الاحتلال النار على سيارة أسرة أبو هيكل. وبعد وقوع الحادثة، نشر "حاييم غولدتش"، الصحفي الإسرائيلي في قناة (كان 11) التابعة لهيئة البث الإسرائيلية، هذا المقطع المصور الذي يُوثّق لحظة إطلاق النار على سيارة أسرة أبو هيكل. توافقت التفاصيل المُصوّرة في المقطع مع شهادات الوالد فهد أبو هيكل، كما توافقت أيضًا مع شهادة فريال أبو هيكل، جدة الطفل.
وردًّا على مزاعم جيش الاحتلال بأنّ السيارة كانت تقترب مسرعةً من جنود الاحتلال، قال فهد أبو هيكل إنه لم يكن ثمة أي جندي أمام السيارة، بل كان الجنود إلى الجهة اليسرى من الطريق، بينما كانت السيارة على يمين الطريق. وفي تصريحات أخرى، قالت الجدة فريال أبو هيكل والأب فهد أبو هيكل إنّ السيارة توقفت تمامًا على بُعد نحو 10 أمتار من الجندي الإسرائيلي الذي أطلق الرصاص.
عبر مقارنة موقع إصابة الرصاصة الظاهر في زجاج سيارة فهد أبو هيكل، في الصور والمقاطع التي نشرتها المنصات الإخبارية، تبيّن تطابق المسار المحتمل للرصاصة التي أطلقها الجندي الإسرائيلي مع موقع الإصابة الظاهر في زجاج السيارة.
أُصيبت الكف اليمنى لفهد، كما أفاد وكما تُظهر الصور، قبل أن تخترق الرصاصة رأس الطفل، الذي كان قد أتم شهره السابع يوم فارق الحياة، وتُصيب وجه أمه. ثم غادر الجنديان موقع الحادث بهدوء، كما يُظهر المقطع المصور، وكما قالت الجدة فريال أبو هيكل.
مباشرةً عقب إطلاق النار، وبعد مغادرة الجنديين الإسرائيليين، تجمّع الأهالي حول السيارة. ويُظهر مقطع مصور نشرته منظمة "بتسيلم" لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، خروجَ الوالد من السيارة حاملًا طفله والدم ينزف من رأسه بغزارة، وبرفقتهما الأم. وركبوا سيارةً بيضاء لأحد الأهالي الذين تجمّعوا حولهم، ونُقلوا إلى المستشفى، فيما بقيت الجدة والابن الثاني إلى جوار سيارتهم في موقع الحادث. ويُظهر مقطع مصور آخر، نشرته حسابات من الخليل، سيارة بنية من نوع (هاتشباك) وقد تجمّع حولها عدد من الأهالي.
عبر مقارنة السيارة في المقطعين، تبيّن تطابق لون السيارة وهيكلها في المقطع الذي نشره الصحفي الإسرائيلي مع السيارة التي ظهرت في المقطع الذي نشره أحد سكان المنطقة، بالإضافة إلى تطابق شكل شاحنة بيضاء ظهرت في المقطعين، كما يظهر في المقطعين الباب الرمادي نفسه، المخطّط بالأسود، ما يؤكد وقوع الحادثة في هذه المنطقة.
في تصريح لإحدى المنصات الإخبارية، قال فهد أبو هيكل إن الحادثة وقعت قرب ميدان الكرنتينا، كما ذكر، في لقاء آخر، مروره بمنطقة الحاجز 17. واستنادًا إلى تلك المعلومات، أجرى فريق "مسبار" مطابقة جغرافية للمقطعين المصوّرين اللذين يوثّقان واقعة إطلاق النار، ثم تجمع الأهالي حول السيارة.
تأكدنا من أن المقطعين الُتقطا بالفعل عند نقطة قرب ميدان الكرنتينا، وعلى مسافة لا تتجاوز 120 مترًا، وكانت مقدمة السيارة نحو الميدان. حيث وقعت حادثة إطلاق النار عند الإحداثيات: 31.522654،35.098282.
في شهادة الجدة فريال أبو هيكل، قالت إن العائلة بعد وصولها إلى الخليل، اتخذت طريقًا آخر عبر منطقة وادي الهرية؛ لتجنّب تعطل حركة المرور عند دوار الرحمة. وتتحكم الحواجز ونقاط التفتيش الإسرائيلية في الضفة المحتلة في حركة المرور والطرق المؤدية إلى الوجهات المطلوبة. لذلك، تُظهر خرائط (غوغل) مسارات متعددة باستخدام الحافلات، بمدد زمنية طويلة تصل إلى 5 ساعات، لمسافة لا تتجاوز 35 كيلومترًا. وفي كل الأحوال، سيكون على القادم من بيت لحم إلى الخليل، سواء بالحافلة أو بالسيارة الخاصة، أن يسلك الطريق 60 الواصل بين المدينتين، مارًا بالعديد من الحواجز ونقاط التفتيش الإسرائيلية، وصولًا إلى المنفذ الشمالي لمدينة الخليل.
وداخل الخليل، تدفع الحركة المرورية -التي تلعب الحواجز الإسرائيلية دورًا كبيرًا في تحديدها- الفلسطينيين من أهل الضفة إلي اختيار المسارات المؤدية إلى وجهاتهم المطلوبة. لذلك، واعتمادًا على شهادة الجدة فريال أبو هيكل، كان العبور من دوار الرحمة أحد تلك المسارات للوصول إلى تل الرميدة. وبحسب الخرائط المحدَّثة يدويًا من قبل المستخدمين، يمر المسار من المنفذ الشمالي للخليل إلى دوار الرحمة عبر شارع القدس - الخليل، ومن دوار الرحمة، عبر طريق مباشر، يمكن الوصول إلى تل الرميدة. لكن بحسب شهادة الجدة، تجنّبت الأسرة دوار الرحمة، ما يعني على الأرجح، الالتفاف حوله عبر شارع الحاووز الأول، وصولًا إلى شارع الحاووز الثاني، مرورًا بوادي الهرية، قبل الوصول إلى ميدان الكرنتينا.
لا تُظهر صور الأقمار الصناعية المتوفرة عبر (غوغل) وجودًا ثابتًا لحاجز عسكري إسرائيلي في موقع الحادث على مدار السنوات الماضية. ومع ذلك، يُظهر أرشيف الأخبار إقامة حواجز عسكرية متحركة، في أوقات مختلفة، عند دوار الكرنتينا. ويدل على وجود تلك الحواجز مقطع مصور نشرته صفحات محلية في سبتمبر/أيلول 2022، قالت إنه يوثّق حاجزًا إسرائيليًا نُصب في منطقة دوار الكرنتينا، وهو ما تؤكده المطابقة الجغرافية التي أجراها فريقنا للعناصر البصرية في المقطع مع صور الأقمار الصناعية.
H2و H1 :منذ عام 1997 وبعد توقيع "بروتوكول الخليل"، قُسّمت الإدارة الأمنية لمدينة الخليل إلى قسمين، هما
ويفترض أن تخضع المنطقة الأولى للسيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية. بينما تخضع المنطقة الثانية التي تضم البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي وتل الرميدة أيضًا للسيطرة الأمنية الإسرائيلية وتنتشر الحواجز الإسرائيلية الثابتة على تخومها وحدودها مع المنطقة الأولى.
بحسب خرائط مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يقع دوار الكرنتينا في نقطة متاخمة للمنطقة الثانية على بُعد أقل من 100 متر، فيما تقع النقطة التي شهدت إطلاق النار على بُعد نحو 120 مترًا غربي دوار الكرنتينا. وهذا ما يجعل موقع إطلاق النار ضمن المنطقة الأولى، التي لا تشهد عادةً حواجز إسرائيلية ثابتة، وهو ما يُفسّر مغادرة الجنود الإسرائيليين موقع الحادث مباشرة بعد إطلاق النار.
في بيانه الوحيد عن الواقعة، وصف جيش الاحتلال الإسرائيلي الضحايا من أسرة أبو هيكل بـ"المدنيين غير المتورطين"، دون الإشارة إلى أن أحدهم كان رضيعًا لم يُكمل عامه الأول. وأضاف أن التحقيقات جارية بشأن الحادث، دون أي إشارة إلى إيقاف الجندي الذي أطلق الرصاص على السيارة.
حتى الآن، لم تصدر أي بيانات أو إبلاغات عن إيقاف الجندي الذي أطلق الرصاص على سيارة أبو هيكل. وفي 6 يونيو/حزيران، نقلت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية عن مصادر أمنية أن الجندي "لم يُقبض عليه بعد". كما لم توضح أي مصادر إسرائيلية هوية الجندي أو رتبته أو الكتيبة التي ينتمي إليها، علمًا بأنّ اللواء الإسرائيلي المسؤول عن "قطاع الخليل" بالمنطقتين H1 وH2 هو لواء يهوذا التابع لفرقة الضفة الغربية "فرقة يهوذا والسامرة" في جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وفي السابع من يونيو/حزيران الجاري، وفي السابع من يونيو/حزيران الجاري، وبعد نحو يومين من واقعة إطلاق النار على سام أبو هيكل، عُيّن الضابط دوتان مالول قائدًا للواء «يهوذا»، بدلًا من شاهار باركاي، الذي أعلن جيش الاحتلال تعيينه ملحقًا في كوريا الجنوبية، بعد نحو عامين من قيادته للواء منذ الأول من أغسطس/آب 2024.
ورغم أن واقعة إطلاق النار على الطفل سام أبو هيكل حدثت خلال فترة قيادة "شاهار باركاي" للواء يهوذا، فإنه لا توجد أي مؤشرات على أن استبداله كان بسبب الحادث. وبمراجعة قائمة قادة اللواء نفسه، يتبيّن أن أيًّا منهم لم يتولَّ المنصب أكثر من عامين، وهو ما أشار إليه أيضًا بحث نشرته الجامعة المفتوحة في إسرائيل.
في العام الماضي، وتحديدًا في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أصدر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بيانًا أكد فيه وجود نمط إسرائيلي متكرر من عمليات القتل العمد في الضفة الغربية. ومنذ أكتوبر 2023، ارتفعت بشكل ملحوظ معدلات قتل المدنيين في الضفة الغربية، والأطفال على وجه الخصوص. فبحسب (اليونيسف)، بلغت الزيادة في نسبة قتل الأطفال في الضفة الغربية والقدس المحتلة 200% خلال الفترة ما بين أكتوبر 2023 وفبراير/شباط 2025. وحتى مايو/أيار 2026، أصبح المعدل قريبًا من مقتل طفل كل أسبوع على يد الإسرائيليين في الضفة والقدس المحتلتين، وفقًا لـ(اليونيسف).
في المقابل، ورغم البيانات الإسرائيلية الرسمية التي تزعم فتح تحقيقات في وقائع القتل الميداني للمدنيين والأطفال، تشير الإحصاءات الإسرائيلية إلى أنه منذ عام 2005 وحتى 2024، انتهى نحو 94% من التحقيقات في جرائم ارتكبها إسرائيليون، جنودًا أو مستوطنين، بحق فلسطينيين في الضفة الغربية، إلى إغلاق الملفات دون توجيه أي اتهامات.، بحسب ما نشرته صحيفة "الغارديان" في مارس 2026.
فبينما يتعرض الفلسطينيون وأطفالهم في الأراضي المحتلة للقتل أو الجرح برصاص جنود الاحتلال، لم تُوجَّه أي اتهامات إلى أي إسرائيلي، جنديًا كان أو مستوطنًا، في عمليات قتل ارتكبها بحق مدنيين فلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، منذ عام 2020، بحسب تحليل نشرته صحيفة "الغارديان" في مارس 2026.








